المقريزي
225
إمتاع الأسماع
مشورة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه خبر خروج الأحزاب وإشارة سلمان بحفر الخندق وكانت خزاعة عندما خرجت من مكة : أتى ركبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - في أربع ليال - حتى أخبروه ، فندب الناس وأخبرهم خبر عدوهم ، وشاورهم : أيبرز من المدينة ، أم يكون فيها ويخندق عليها ، أم يكون قريبا والجبل وراءهم ؟ فاختلفوا . وكان سلمان الفارسي يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يهم بالمقام بالمدينة - ويريد ( 1 ) أن يتركهم حتى يردوا ثم يحاربهم على المدينة وفي طرقها - فأشار بالخندق فأعجبهم ذلك ، وذكروا يوم أحد ، فأحبوا الثبات في المدينة . وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجد ، ووعدهم النصر إن هم صبروا واتقوا ، وأمرهم بالطاعة . خبر حفر الخندق وركب فرسا له - ومعه عدة من المهاجرين والأنصار - فارتاد موضعا ينزله ، وجعل سلعا ( 2 ) خلف ظهره وعمل في ( حفر ) ( 3 ) الخندق لينشطهم ، وندب الناس وخبرهم بدنو عدوهم ، وعين حفر الخندق في المراد ( 4 ) وعسكر بهم إلى سفح سلع ، فتبادر المسلمون في العمل ، وقد استعاروا من بني قريظة آلة كثيرة - من مساحي وكرازين ومكاتل ( 5 ) - ، للحفر في الخندق . ووكل صلى الله عليه وسلم بكل جانب من الخندق قوما يحفرونه . وكان الشباب ينقلون التراب ، ويخرج المهاجرون والأنصار في نقل التراب وعلى رؤوسهم المكاتل ، ويرجعون بها بعد إلقاء التراب منها وقد ملأوها حجارة من جبل سلع : وهي أعظم سلاحهم ، يرمون بها . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل التراب في المكاتل والقوم يرتجزون ( 6 ) ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : هذا الجمال لا جمال خيبر * هذا أبر ربنا وأطهر
--> ( 1 ) هذا الحرف في ( خ ) يقرأ ما بين " يريد " ، " يدبر " والأقرب للمعنى ما أثبتناه . ( 2 ) سلع جبل قرب المدينة ( معجم البلدان ) ج 3 ص 236 . ( 3 ) زيادة للإيضاح . ( 4 ) في ( خ ) " المزاد " . ( 5 ) المساحي والكرازين والمكاتل : المجارف والفؤوس والقفف . ( 6 ) ترتجزون : يترنمون بالرجز من أوزان الشعر .